المقريزي

187

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

مدّة خلافته ثمان سنين ، وقيل : سبع سنين وعشرة أيّام ، وقد اختلف في تاريخ ولادته ، فقيل : ولد أوّل ليلة من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثمائة بالمهدية ، وقيل : بل ولد في سنة اثنتين ، وقيل : سنة إحدى وثلاثمائة ، وكان خطيبا بليغا يرتجل الخطبة لوقته شجاعا عاقلا . وقام من بعده ابنه : المعز لدين اللّه أبو تميم معدّ ، وعمره نحو أربع وعشرين سنة ، فإنه ولد للنصف من رمضان سنة سبع عشرة وثلاثمائة ، فانقاد إليه البربر ، وأحسن إليهم فعظم أمره ، واختص من مواليه : بجوهر ، وكناه بأبي الحسين وأعلى قدره ، وصيره في رتبة الوزارة ، وعقد له على جيش كثيف فيهم : الأمير زيري بن مناد الصنهاجيّ ، فدوّخ المغرب وافتتح مدنا ، وقهر عدّة أكابر وأسرهم حتى أتى البحر المحيط ، فأمر باصطياد سمكة منه ، وسيّرها في قلة من ماء إلى المعز إشارة إلى أنه ملك حتى سكان البحر المحيط الذي لا عمارة بعده ، ثم قدم غانما مظفرا ، فعظم قدره عند المعز ، ولما كان في بعض الأيام استدعى المعز في يوم شات عدّة من شيوخ كتامة ، فدخلوا عليه في مجلس قد فرش باللبود ، وحوله كساء ، وعليه جبة ، وحوله أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتب ، وبين يديه دواة وكتب . فقال : يا إخواننا أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء والبرد ، فقلت لأمّ الأمراء ، وإنها الآن بحيث تسمع كلامي : أترى إخواننا يظنون أنا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ، ونتقلب في المثقل والديباج والحرير ، والفنك والسمور والمسك والخمر ، والقباء كما يفعل أرباب الدنيا ، ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضرتكم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم ، واحتجبت عنكم ، وإني لا أفضلكم في أحوالكم إلّا بما لا بدّ لي منه من دنياكم ، وبما خصني اللّه به من إمامتكم ، وإني مشغول بكتب ترد عليّ من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطي ، وإني لا أشتغل بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما يصون أرواحكم ، ويعمر بلادكم ، ويذل أعداءكم ، ويقمع أضدادكم ، فافعلوا يا شيوخ في خواتكم مثل ما أفعله ، ولا تظهروا التكبر والتجبر ، فينزع اللّه النعمة عنكم ، وينقلها إلى غيركم ، وتحننوا عليّ من وراءكم ممن لا يصل إليّ ، كتحنني عليكم ليتصل في الناس الجميل ، ويكثر الخير ، وينتشر العدل ، وأقبلوا بعدها على نسائكم والزموا الواحدة التي تكون لكم ، ولا تشرهوا إلى التكثر منهنّ والرغبة فيهنّ ، فيتنغص عشيكم ، وتعود المضرّة عليكم ، وتنهكوا أبدانكم وعقولكم ، واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرّب اللّه علينا أمر المشرق كما قرّب أمر المغرب بكم انهضوا رحمكم اللّه ونصركم ، فخرجوا عنه ، واستدعى يوما أبا جعفر حسين بن مهذب صاحب بيت المال ، وهو في وسط القصر قد جلس على صندوق ، وبين يديه ألوف صناديق مبدّدة ، فقال له : هذه صناديق مال ، وقد شذ عني ترتيبها فانظرها ورتبها قال : فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة ، وبين يديه جماعة من خدّام بيت المال ، والفرّاشين ، فأنفذت إليه أعلمه فأمر برفعها في الخزائن على ترتيبها ، وأن يغلق عليها ، وتختم بخاتمه ، وقال : قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك ، فكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار ، وذلك في سنة سبع وخمسين